بقلم: الكاتبة الصحفية سوزان جعفر
ليست حرب أكتوبر مجرد ذكرى عسكرية نستعيدها في السادس من أكتوبر من كل عام، وليست صفحة من صفحات التاريخ نقرأها بفخر ثم نطويها؛ إنها ملحمة وطن، وشهادة خالدة على أن الشعوب التي تعرف قيمة أرضها، وتؤمن بقدرتها، وتتمسك بحقها، تستطيع أن تغيّر موازين التاريخ مهما بلغت التحديات، ومهما بدا النصر بعيد المنال.
في السادس من أكتوبر عام 1973، لم تعبر القوات المسلحة المصرية قناة السويس فحسب، بل عبرت حاجز الخوف، وحطمت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وأعادت للأمة العربية ثقتها بنفسها، وكتبت بدماء الشهداء وصمود المقاتلين واحدة من أعظم صفحات الكرامة الوطنية في التاريخ الحديث.
لم يكن العبور مجرد معركة.. بل كان ميلادًا جديدًا لإرادة وطن.
بعد سنوات من مرارة نكسة 1967، لم تستسلم مصر لليأس، ولم تسمح للهزيمة بأن تتحول إلى قدر دائم. أعادت بناء قواتها المسلحة، وطورت قدراتها، وخاضت حرب الاستنزاف، وأعدت نفسها لمعركة استرداد الأرض والكرامة. كانت السنوات الفاصلة بين النكسة والانتصار اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة المصرية على النهوض من أصعب لحظاتها، وتحويل الألم إلى قوة، والانكسار إلى دافع للعمل والتخطيط والإعداد.
وهنا تتجلى عظمة أكتوبر الحقيقية؛ فلم يكن النصر وليد الصدفة، ولم تصنعه الشعارات، وإنما صنعته عقول خططت، وأيدٍ تدربت، وقلوب آمنت، وقيادة تحملت مسؤولية القرار، وجنود أدركوا أن خلفهم وطنًا يستحق التضحية.
عبقرية الجندي المصري.. حين انتصرت الإرادة على السلاح
سيظل عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف من أبرز الشواهد على عبقرية التخطيط العسكري المصري. فقد أثبتت المعركة أن التفوق لا يُقاس بحجم السلاح وحده، ولا بعدد التحصينات، وإنما بكفاءة الإنسان، ودقة التخطيط، وحسن استثمار الإمكانات، والقدرة على اختيار اللحظة المناسبة.
وقف الجندي المصري أمام تحديات هائلة، وعبر تحت نيران العدو، وواجه التحصينات والعقبات، مدفوعًا بإيمان راسخ بأن استرداد الأرض واجب لا يقبل التأجيل. لم يكن يحمل سلاحه دفاعًا عن مساحة جغرافية فحسب، بل كان يدافع عن حق شعب، وكرامة أمة، ومستقبل أجيال.
ومن خلف هؤلاء الأبطال، كانت هناك منظومة وطنية كاملة تعمل من أجل المعركة؛ من رجال القوات المسلحة إلى العاملين في المصانع والمؤسسات، ومن الأسر التي احتضنت أبناءها وهم يستعدون للقتال إلى الشعب الذي تحمل تبعات الحرب، وظل مؤمنًا بأن ساعة استرداد الحق ستأتي.
لقد قدمت حرب أكتوبر درسًا لا يسقط بالتقادم: حين تتوحد إرادة الشعب مع كفاءة الجيش، وتتحول الثقة إلى عمل، يصبح المستحيل مجرد عقبة تنتظر من يتجاوزها.
الشهداء.. أصحاب المجد الذي لا يغيب
وراء كل علم ارتفع، وكل أرض استُردت، وكل لحظة فخر عاشها المصريون، حكايات لأبطال قدموا أعمارهم قربانًا للوطن. هناك أسماء خلدها التاريخ، وأسماء لم يعرفها أحد، لكنها محفوظة في ضمير مصر ووجدانها.
هناك أمهات انتظرن عودة الأبناء فلم يعودوا، وآباء ودعوا فلذات أكبادهم وهم يعلمون أن الوطن أغلى من الألم، وزوجات وأطفال تعلموا مبكرًا أن للحرية ثمنًا، وأن الأوطان لا تُصان بالأمنيات، وإنما بالتضحيات.
لهؤلاء الشهداء، لا يكفي أن نضع أكاليل الزهور، أو نرفع الأعلام، أو نردد عبارات التمجيد؛ بل إن الوفاء الحقيقي لهم يبدأ من الحفاظ على الوطن، وإتقان العمل، واحترام قيمة التضحية، وبناء دولة تليق بما قدموه من أجلها.
إن دماء شهداء أكتوبر ليست ذكرى للماضي وحده، بل أمانة في أعناق الحاضر والمستقبل.
من خنادق القتال إلى معارك البناء
إذا كانت حرب أكتوبر قد أثبتت قدرة المصريين على استعادة الأرض، فإن تحديات الحاضر تفرض علينا أن نثبت قدرتنا على حماية الوطن وبناء مستقبله. فالمعركة اليوم تختلف أدواتها، لكنها لا تقل أهمية؛ معركة الوعي، والتعليم، والإنتاج، والبحث العلمي، والتنمية المستدامة، وحماية مقدرات الدولة، ومواجهة الشائعات، وترسيخ الانتماء الوطني.
لم يعد المطلوب من الأجيال الجديدة أن تعيش على أمجاد الماضي وحدها، وإنما أن تفهم كيف صُنعت تلك الأمجاد، وأن تستلهم منها قيم الانضباط والعمل والتخطيط وتحمل المسؤولية.
إن الوطن الذي استطاع أن يعبر قناة السويس في ظروف بالغة الصعوبة، يستحق من أبنائه أن يعبروا به نحو مستقبل أكثر تقدمًا وعدالة واستقرارًا. فالأمم لا تحافظ على انتصاراتها بالاحتفال بها فقط، وإنما بتحويل دروسها إلى سياسات ناجحة، ومؤسسات قوية، وعقول واعية، وأجيال قادرة على الابتكار والمنافسة.
ومن هنا، تصبح ذكرى أكتوبر دعوة مفتوحة إلى كل مصري ومصرية: أن يؤدي كل منا دوره بإخلاص، وأن يدرك أن حماية الوطن مسؤولية مشتركة، لا تقتصر على ميادين القتال، بل تمتد إلى المدرسة والجامعة والمصنع والمستشفى ومواقع العمل والإنتاج.
أكتوبر.. رسالة لا تنتهي
لم يكن انتصار أكتوبر حدثًا عابرًا، بل محطة فارقة أثبتت أن موازين القوة ليست ثابتة، وأن الإرادة حين تقترن بالتخطيط والإعداد تستطيع أن تصنع فارقًا تاريخيًا.
حملت مصر في أكتوبر رسالة واضحة: أن الأرض والكرامة والسيادة ليست محلًا للتنازل، وأن السلام الحقيقي يحتاج إلى قوة تحميه، وإرادة تصونه، ودولة تعرف كيف تحافظ على حقوقها ومصالحها.
إن عظمة حرب أكتوبر لا تكمن فقط في الساعات الأولى للعبور، ولا في تحطيم التحصينات، ولا في استعادة الثقة بعد سنوات صعبة؛ بل تكمن في الدرس الذي تركته للأجيال: أن الهزيمة ليست نهاية الطريق، وأن الانتماء ليس كلمات تُقال، وأن النصر لا يُمنح لمن ينتظره، بل لمن يستعد له ويعمل من أجله ويدفع ثمنه.
في ذكرى أكتوبر، ننحني إجلالًا أمام أرواح الشهداء، ونحيي أبطال القوات المسلحة، ونستذكر بكل تقدير كل من شارك في صناعة هذا المجد.
ونقول لأبنائنا: اقرأوا أكتوبر جيدًا، لا باعتباره حكاية من الماضي، بل باعتباره منهجًا للمستقبل. تعلموا منه أن الثقة تحتاج إلى عمل، وأن القوة تحتاج إلى علم، وأن الوحدة تحتاج إلى وعي، وأن حب الوطن لا يُقاس بارتفاع الصوت، وإنما بصدق الموقف ونبل الفعل وحجم ما نقدمه من أجل تقدمه.
أكتوبر ليس يومًا في التقويم.. أكتوبر ذاكرة وطن، وملحمة شعب، وبرهان على أن مصر حين تقول «سننتصر» تمتلك من الإرادة والتاريخ والإنسان ما يجعلها قادرة على صناعة المستحيل.
تحية إلى مصر، وتحية إلى جيشها العظيم، وتحية إجلال لكل شهيد روى بدمائه ترابها، ولكل بطل حمل سلاحه دفاعًا عنها، ولكل مصري آمن بأن هذا الوطن يستحق أن نعمل من أجله، وأن نحميه، وأن نتركه للأجيال القادمة أكثر قوة ووعيًا وازدهارًا.
رحم الله شهداء مصر الأبرار.. وحفظ الله مصر وشعبها وجيشها.. وستظل راية الوطن عالية، ما بقي في أبنائها قلب ينبض بحب مصر وإرادة لا تعرف الانكسار.
