بيان غرفة صناعة السينما لم يأتِ فقط ليحسم موقفًا قانونيًا، بل ليغلق باب نقاش كامل قبل أن يُفتح. قال بوضوح إن القانون المصري رقم 82 لسنة 2002 لا يمنح الممثلين حق الأداء العلني، وأن المنتج هو صاحب الحق في استغلال العمل. كلام يبدو منضبطًا ومقنعًا لمن يقرأه باعتباره النص النهائي. لكن الحقيقة أن هذا البيان لا يُنهي الأزمة، بل يكشفها. لأنه ببساطة يتعامل مع القانون كأنه نهاية الطريق، بينما هو في الواقع مجرد نقطة بداية.
القانون رقم 82 لسنة 2002 الخاص بحماية حقوق الملكية الفكرية ينص على أن لفناني الأداء حقوقًا أدبية ومالية، تشمل منع تشويه أدائهم، ومنح الترخيص باستغلاله. لكنه في التطبيق العملي لا يمنحهم نصيبًا واضحًا من إعادة عرض الأعمال أو ما يُعرف بالأداء العلني، خاصة في ظل سيطرة المنتج على الحقوق المالية الكاملة للعمل. هنا تبدأ الفجوة بين النص والتطبيق، وبين ما كان مقصودًا وقت صدور القانون وما أصبح واقعًا اليوم.
المشكلة ليست في نص القانون فقط، بل في الزمن الذي ينتمي إليه. هذا القانون وُضع في عصر كانت فيه دورة حياة العمل الفني محدودة، عرض أول ثم إعادة عرض ثم ينتهي. لم يكن هناك منصات رقمية، ولا مكتبات مفتوحة يُعاد منها بث الأعمال بلا توقف، ولا أرباح تتجدد لسنوات طويلة. التمسك بنفس القواعد في سوق تغير بالكامل لم يعد احترامًا للنص، بل تجاهلًا لتحولات الواقع.
على الجانب الآخر، المنتجون لا يتحدثون من فراغ. هم الطرف الذي يتحمل المخاطرة المالية الكاملة. هم من يدفع التكلفة، وهم من قد يخسر قبل أن يربح. ومن هذا المنطلق، يبدو منطقيًا تمسكهم بحقوق الاستغلال. لكن السؤال الحقيقي ليس هل المنتج مظلوم أم لا، بل هل من العدل أن يظل الطرف الوحيد الذي يملك كل شيء، بينما تتغير مصادر الربح وتتضاعف دون إعادة نظر في طريقة توزيعها.
الأزمة الأعمق أن النقاش نفسه محدود. يدور بين ممثل ومنتج، وكأن العمل الفني يُصنع بينهما فقط. بينما الحقيقة أن كل عمل يقف خلفه جيش كامل من البشر. عمال الديكور، فنيو الإضاءة، مهندسو الصوت، النجارون، البناؤون، منفذو التفاصيل التي لا تُرى لكنها تصنع الفارق. هؤلاء يخرجون من المعادلة تمامًا بمجرد انتهاء التصوير، رغم أن العمل الذي شاركوا في صناعته قد يحقق أرباحًا لسنوات.
هنا يصبح السؤال أكثر إزعاجًا: إذا كنا نناقش الحق في العائد المستمر، فلماذا يتوقف عند من يظهر على الشاشة فقط؟ هل القيمة تُقاس بالظهور أم بالمساهمة؟ وإذا كان الممثل يستحق لأنه جزء من العمل، فلماذا لا يمتد هذا المنطق لباقي صناع العمل؟ أم أن فتح هذا الباب سيكشف خللًا أكبر لا يريد أحد مواجهته؟
في المقابل، لا يمكن تجاهل مخاوف المنتجين. توسيع دائرة المستحقين بشكل غير مدروس قد يحول أي عمل إلى عبء مالي مفتوح، ويهدد استمرارية الإنتاج نفسه. هذه ليست حجة للرفض، بل تحدٍ حقيقي يجب التعامل معه بحلول ذكية، لا بردود فعل دفاعية.
أما المقارنة مع المنصات الرقمية، فهي تكشف الفارق بوضوح. العالم يتجه نحو نماذج تحقق عوائد مستمرة لصناع المحتوى وفق نسب مشاهدة وإعادة استخدام. صحيح أن السينما تختلف في طبيعتها وتكلفتها، لكن تجاهل هذا التحول بالكامل يعني عزل الصناعة عن تطور اقتصادي حقيقي.
لهذا، فإن الحديث عن تعديل القانون لم يعد رفاهية، بل ضرورة. ليس لإرضاء طرف على حساب آخر، بل لإعادة ضبط التوازن. تعديل يفتح الباب لنماذج عادلة، دون أن يقتل الإنتاج. قد يكون ذلك عبر نسب محدودة مرتبطة بالنجاح الفعلي، أو من خلال آليات جماعية تضمن حدًا أدنى من الحقوق دون تحميل العمل أعباء غير قابلة للتحمل.
ما يحدث الآن ليس مجرد خلاف قانوني، بل لحظة مواجهة مع واقع جديد. صناعة كاملة تعيد تعريف من يملك القيمة، ومن يستحق نصيبًا منها. الاستمرار بنفس القواعد لن يحل الأزمة، بل سيؤجل انفجارها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يتجاهله الجميع:
كيف يستمر عمل في تحقيق أرباح كلما عُرض… بينما يظل بعض من صنعوه خارج أي حساب؟
