التنافسية والصمود الاقتصادى بالدول العربیة فى دراسة جديدة
تصوير : آخرون
التنافسية والصمود الاقتصادى بالدول العربیة فى دراسة جديدة
لم یعد ارتفاع الناتج المحلى الإجمالى أو متوسط دخل الفرد كافیًا للحكم على قدرة الاقتصاد على مواجهه الأزمات والصدمات. فقد كشفت الأزمات المتتالیة أن دولة مرتفعة الدخل لیست بالضرورة دولة قادرة على امتصاص الصدمات والتعافى منها، بینما قد تمتلك دولة أقل دخلًا بعض القدرات الإنتاجیة أو المؤسسیة أو الاجتماعیة التى تجعلها أكثر قدرة على المواجهة.
من هنا انطلقت دراسة «التنافسیة والصمود الاقتصادى» لمجموعة بحثية من جامعة النيل (يمثلها الدكتور حسن على، والدكتور عمر رجب) بالتعاون مع فریق من الإسكوا، (على رأسه الدكتور خالد أبو أسماعيل). الفكرة الأساسیة مفادها أن قیاس الصمود الاقتصادى یجب أن یتجاوز مؤشرات الدخل وحده، وأن ینتقل من مفهوم یمكن تسمیته «الصمود القائم على الثروة» إلى «الصمود القائم على القدرات»، خصوصًا فى المنطقة العربیة.
وتكتسب الفكرة أهمیة أكبر فى عالم تتسارع فیه وتیرة الصدمات وتتشابك الأزمات الاقتصادیة والمالیة والتجاریة والجیوسیاسیة، بحیث لم یعد الصمود الاقتصادى میزة إضافیة یمكن للدول السعى إلیها، وإنما أصبح ضرورة استراتیجیة لاستمرار التنمیة.
ما المقصود بالصمود الاقتصادي؟
- تعرف الدراسة التى عرضها فى المؤتمر السنوى الأخیر لمعهد التخطیط القومى الدكتور حسن على، الصمود الاقتصادى بأنه قدرة الاقتصاد على مواصلة التقدم التنموى رغم الصدمات الاقتصادیة والمالیة الخارجیة، من خلال آلیات للتخفیف من آثار الصدمة، والتعافى منها، والتكیف معها.
آخرون
الدكتور حسن يوسف على أستاذ الاقتصاد بجامعة النيل
وبهذا المعنى، فإن الصمود لا یعنى أن الاقتصاد لا یتعرض للأزمة، وإنما یعنى أنه یستطیع أن یمتص جزءًا من الصدمة، وأن یحد من خسائرها، ثم یتعافى منها ویعید التكیف مع الظروف الجدیدة دون أن یتخلف عن مساره التنموى على المدى الطویل.
لكن هذه القدرة لا تنشأ من فراغ؛ فهى تحتاج إلى قاعدة إنتاجیة متطورة، وتصنیع تنافسى قائم على القیمة المضافة، ومؤسسات فعالة وسیاسات اقتصادیة متناسقة، ومهارات ومعارف تدعم الابتكار والقدرة على المنافسة، واقتصاد متنوع قادر على تصدیر منتجات ذات قیمة مضافة مرتفعة وبالطبع مجتمع حى ومشارك.
ولهذا تضع الدراسة قاعدة واضحة: لا یمكن بناء قدرة حقیقیة على التكیف والتعافى من الأزمات من دون وجود قدرة تنافسیة.
كیف قاست الدراسة الصمود والهشاشة؟
- اعتمدت دراسة « الصمود الاقتصادى» على بُعدین رئیسیین: قدرات المواجهة من ناحیة، والهشاشة الاقتصادیة من ناحیة أخرى.
وتنقسم قدرات المواجهة إلى أربعة أبعاد رئیسیة، لكل منها وزن متساوٍ نسبیًا داخل المؤشر الكلى وهى: القدرات الاجتماعیة والقدرات الاقتصادیة والقدرات المالیة والقدرات المؤسسیة.
أما الهشاشة الاقتصادیة فتتركز أساسًا فى بعدین هما: الانكشاف على التجارة الدولیة (تحقيق عجز فى ميزان المدفوعات) والانكشاف على التمویل الدولى.
وهنا تكمن أهمية المنهج: فالدولة لا تصبح صامدة لمجرد امتلاكها موارد مالیة (حيز مالى) كبیرة، وإنما عندما تجمع بین قدرة داخلیة على المواجهة وبین انخفاض مصادر تعرضها للصدمات الخارجیة.
الدكتور أشرف العربي - صورة أرشيفية
أولًا: القدرات الاجتماعیة
تقیس الدراسة القدرات الاجتماعیة من خلال الصحة والتعلیم والابتكار وعدم المساواة، وتشمل مؤشرات الصحة متوسط العمر المتوقع عند الولادة، بینما تشمل مؤشرات التعلیم سنوات الدراسة المتوقعة ومتوسط سنوات الدراسة، مع استخدام درجات موحدة للاختبارات. أما الابتكار فیُقاس بمجموعة من المؤشرات، منها براءات الاختراع لكل ملیار دولار من الناتج المحلي الإجمالي، وبراءات نظام التعاون بشأن البراءات، والنماذج الصناعیة أو المنفعة المتحققة، والمقالات العلمیة والتقنیة، إضافة إلى دلیل للوثائق العلمیة القابلة للاستشهاد.
وتدخل كذلك مؤشرات عدم المساواة فى الصحة والتعلیم، باعتبار أن قدرة المجتمع على الصمود لا تنفصل عن مدى اتساع أو عدم اتساع الفوارق داخله.
ثانیًا: القدرات الاقتصادیة، ولا تكتفى الدراسة بحجم الاقتصاد وإنما تنظر إلى نوعیة قدرته الإنتاجیة ولهذا تستخدم دلیل التعقید الاقتصادى، إلى جانب دلیل الأداء الصناعى التنافسى. ویقیس الأخیر كثافة التصنیع، وحصة القیمة المضافة الصناعیة من الناتج المحلى الإجمالى، وحصة القیمة المضافة الصناعیة للدولة من إجمالى القیمة المضافة الصناعیة عالمیًا، وحصة الصناعات المتوسطة والعالیة التكنولوجیا، والقیمة المضافة الصناعیة للفرد.
أما دلیل التعقید الاقتصادى فیقیس مدى تنوع المنتجات التى تصدرها الدولة ومدى انتشار تلك المنتجات فى اقتصادات أخرى، وهو مستمد من مختبر النمو فى جامعه هارفارد. واعتمدت الدراسة أحدث خمس سنوات متاحة فى احتساب المتوسطات. وهذا یغیر كثیرًا من طریقة النظر إلى قوة الاقتصاد: فاقتصاد یعتمد على عدد محدود من السلع أو مصادر الدخل قد یكون كبیر الحجم، لكنه یظل معرضًا لصدمات شدیدة إذا تغیرت أسعار تلك السلع أو الطلب علیها.
ثالثًا: القدرات المالیة، وتشمل الحیز المالى، وصافى إقراض أو اقتراض الحكومة، ونسبة الدین العام إلى الناتج المحلى الإجمالى، واستدامة الدین، ونسبة الدین الخارجى إلى الناتج، إضافة إلى المخاطرالسیادیة والتصنیفات الائتمانیة. فالاقتصاد الذى یدخل الأزمة وهو یملك حيزًا ماليًا ومالیة عامة أكثر استدامة یختلف جذریًا عن اقتصاد یدخلها مثقلًا بالدیون وارتفاع تكالیف التمویل.
رابعًا: القدرات المؤسسیة
وتشمل الحوكمة الفعالة، وجودة البنیة التحتیة وتقدیم الخدمات العامة، وسیادة القانون، وإمكانیة الوصول إلى قوانین شفافة مع إنفاذ یمكن التنبؤ به، والوصول إلى العدالة، والرقابة التنفیذیة والقضائیة، والمساءلة المؤسسیة، ووجود إدارة عامة صارمة ومحایدة. وهنا تقدم الدراسة رسالة مهمة: المؤسسات لیست عنصرًا منفصلًا عن الاقتصاد، وإنما إحدى أدوات الصمود الاقتصادى نفسه.
وماذا عن الهشاشه؟ فى الجانب الآخر من المعادلة، تنظر الدراسة إلى مدى تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجیة.
وتقیس الهشاشة التجاریة من خلال الاعتماد على عائدات السیاحة، وتقلب هذه العائدات، والاعتماد على الواردات الاستراتیجیة، خاصة الغذاء والوقود، والانفتاح التجارى، وتقلب معدلات التبادل التجارى، وتركیز الصادرات.
أما الهشاشة المرتبطة بالتمویل الدولى فتقاس من خلال الاعتماد على تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر واستثمارات المحافظ المالیة، وتقلب هذه التدفقات، وكذلك الاعتماد على المساعدات الإنمائیة الرسمیة والتحویلات المالیة وتقلبها.
وهكذا فإن الاعتماد الكبیر على مصدر واحد للدخل أو التمویل أو التجاره قد یتحول من میزة فى الظروف العادیة إلى مصدر هشاشة عندما تتغیر الظروف الدولیة.
المفاجأة العربیة: المشكلة لیست فى الدخل وحده
عند تطبيق المؤشر على الأقاليم المختلفة، تظهر المنطقة العربية فى موقع منخفض من حيث القدرات الاقتصادية، وفق نتائج الدراسة لعام 2023. وفى دليل القدرات الاقتصادية، تسجل المنطقة العربية أحد أدنى المستويات عالميًا، بينما تظهر المقارنة أن القدرات الاقتصادية تمثل نقطة ضعف واضحة فى بنية الصمود العربى.
وتزداد أهمية النتيجة عندما تنتقل المقارنة من الأقاليم إلى الدول العربية.
ووفق نتائج 2023، كانت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة هما الدولتين العربيتين الوحيدتين اللتين تتجاوز قدراتهما الاقتصادية المتوسط العالمى، بينما كانت بقية الدول العربية المدرجة فى الدراسة دون هذا المتوسط.
لكن الصورة تصبح أكثر وضوحًا عند النظر إلى الاتجاه الزمنى؛ إذ تشير الدراسة إلى وجود ركود أو تراجع فى التنافسية الصناعية فى معظم الدول العربية خلال الفترة 2013-2022، وفق مؤشر الأداء الصناعى التنافسى. وهذا يعنى أن القضية العربية لا تتعلق فقط بامتلاك الموارد، وإنما بقدرة الاقتصادات على تحويل هذه الموارد إلى قاعدة إنتاجية وصناعية أكثر تنوعًا وتعقيدًا.
قدرات المواجهة: أين تقف الدول العربية؟
عند تجميع القدرات الاجتماعية والاقتصادية والمالية والمؤسسية فى مؤشر واحد، تسجل المنطقة العربية أحد أدنى مستويات قدرات المواجهة بين الأقاليم محل المقارنة، كما أن القدرات الاقتصادية هى أقل مكونات هذه القدرات مساهمة.
أما على مستوى الدول العربية، فتظهر دول مجلس التعاون الخليجى فقط بمستويات من قدرات المواجهة أعلى من المتوسط العالمى فى نتائج 2023. وتتدرج بقية الدول العربية عند مستويات مختلفة من القدرات، مع وجود فجوات واضحة بين الدول.
وهنا ينبغى الانتباه إلى أن ارتفاع قدرة المواجهة لا يعنى بالضرورة انخفاض الهشاشة؛ فقد تمتلك الدولة موارد مالية أو مؤسسات أو قدرات اجتماعية تساعدها على مواجهة الصدمة، وفى الوقت نفسه تكون شديدة التعرض لتقلبات التجارة أو التمويل الخارجى.
لقد تبين بوضوح أن التجارة الخارجية مصدر رئيسى للهشاشة العربية، حيث تكشف نتائج الدراسة أن المنطقة العربية لديها ثانى أعلى مستويات الهشاشة بين الأقاليم محل المقارنة، وأن التجارة الدولية تمثل العنصر الأبرز فى هذه الهشاشة.
وعلى مستوى الدول، تظهر التجارة الدولية بوصفها المصدر الرئيسى للهشاشة فى معظم الحالات العربية، مع استثناءات محدودة. والفكرة هنا ليست الدعوة إلى الانغلاق، فالتجارة والانفتاح يمكن أن يكونا مصدرًا للقوة والنمو، وإنما المشكلة فى طبيعة الانكشاف:
ماذا نصدر؟ ماذا نستورد؟ إلى أى مدى تتركز صادراتنا؟ وما مدى اعتمادنا على الخارج فى الغذاء والطاقة والتمويل؟
فالتجارة تصبح عنصرًا من عناصر الصمود عندما تقوم على قاعدة إنتاجية متنوعة وقادرة على المنافسة، لكنها قد تتحول إلى مصدر هشاشة عندما تكون الصادرات شديدة التركيز (واحدًا أو اثنين من المواد الأولية) أو عندما يعتمد الاقتصاد بدرجة كبيرة على واردات استراتيجية لا يستطيع تعويضها بسهولة عند الصدمات.
عند جمع القدرة والهشاشة.. تظهر صورة الصمود
ولذا فالخطوة الأهم فى الدراسة هى الجمع بين البعدين: قدرات المواجهة من جهة، والهشاشة من جهة أخرى.
وعند الجمع بينهما، تسجل المنطقة العربية واحدًا من أدنى مستويات الصمود الاقتصادى بين الأقاليم محل المقارنة.
وهنا يصبح مفهوم الصمود أكثر وضوحًا: الدولة التى تمتلك قدرات ضعيفة وتواجه فى الوقت نفسه مستوى مرتفعًا من الانكشاف الخارجى تكون أكثر هشاشة؛ أما الدولة التى تمتلك قدرات داخلية قوية، مع تعرض أقل للصدمات الخارجية، فتكون أكثر قدرة على امتصاص الأزمات والتكيف معها.
ماذا تقول المقارنة العالمية؟
تعرض الدراسة كذلك قائمة بأكثر عشرة اقتصادات صمودًا وأكثر عشرة اقتصادات هشاشة فى عام 2023.
وفى مجموعة الاقتصادات الأكثر صمودًا تظهر سويسرا وألمانيا والنرويج وجمهورية كوريا والدنمارك، بينما تضم مجموعة الاقتصادات الأكثر هشاشة مالى ومنغوليا وسورينام وبوروندى وغينيا، وفق ترتيب المؤشر المستخدم فى الدراسة.
لكن الأهم من الأسماء هو المعنى الاقتصادى للمقارنة:
الاقتصادات الأكثر صمودًا ليست بالضرورة تلك التى تمتلك أعلى دخل فقط، وإنما تلك التى تجمع بين قدرات إنتاجية ومؤسسية واجتماعية ومالية، وتستطيع فى الوقت نفسه الحد من تعرضها للصدمات الخارجية.
الدخل لا يساوى الصمود
من أهم نتائج الدراسة اختبار العلاقة بين دليل الصمود الاقتصادى ونصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى.
وتشير النتائج إلى ارتباط بين المتغيرين، لكن العلاقة ليست كاملة؛ فقد بلغ معامل التحديد فى المقارنة المعروضة.6151 = R².
ومعنى ذلك أن مستوى دخل الفرد يفسر جانبًا مهمًا من التفاوت فى الصمود، لكنه لا يفسره كله.
وهنا تظهر الرسالة الأساسية للدراسة: الغالبية من البلدان العربية أقل صمودًا مما قد توحى به مستويات دخلها.
أى أن النظر إلى نصيب الفرد من الناتج المحلى وحده قد يعطى صورة أكثر تفاؤلًا من الصورة التى تظهر عند قياس القدرة الفعلية على مواجهة الصدمات.
المقارنة الأكثر دلالة: ماذا يحدث عندما نقارن الدخل بالصمود؟
تقدم الدراسة اختبارًا آخر أكثر إثارة للاهتمام، من خلال مقارنة ترتيب الدول بحسب نصيب الفرد من الناتج المحلى بترتيبها وفق دليل الصمود الاقتصادى.
وتظهر حالات تحسن فى ترتيب الصمود مقارنة بترتيب الدخل، وحالات أخرى يحدث فيها العكس. وتضم قائمة أكبر التحسينات فى الترتيب الهند وبنجلاديش وإندونيسيا وكرواتيا وإيران وجزر المالديف وجمهورية الكونغو الديمقراطية والبحرين ومنغوليا وفيجى.
وفى العالم العربى تحديدًا، تعرض الدراسة فروق الترتيب بين نصيب الفرد من الناتج ودليل الصمود للدول العربية، وتظهر فروق كبيرة بين بعض الدول، بما يؤكد أن ترتيب الدولة من حيث الدخل لا يطابق بالضرورة ترتيبها من حيث القدرة على الصمود.
وهذه ربما تكون أهم رسالة للدراسة:
قد تكون الدولة غنية، لكنها ليست بالضرورة محصنة؛ وقد تكون أقل دخلًا، لكنها تمتلك بعض القدرات التى تمنح اقتصادها قدرة أكبر على تحمل الصدمات.
وماذا عن مصر؟
تضع النتائج مصر داخل المقارنة العربية، وتظهر ضمن الدول التى تتأثر بمزيج من ضعف القدرات وارتفاع بعض مصادر الهشاشة.
وتظهر مصر فى ترتيب قدرات المواجهة والهشاشة والصمود ضمن المقارنة العربية لعام 2023، إلى جانب اليمن وموريتانيا والعراق ولبنان والجزائر وتونس والمغرب والبحرين والأردن وعمان والكويت والسعودية وقطر والإمارات.
ولا تسمح الدراسة، فى حد ذاتها، باختزال وضع مصر فى رقم واحد؛ لأن قيمة المؤشر النهائى هى حصيلة مجموعة من القدرات والهشاشات المختلفة. لكن الرسالة التى تهم مصر بصفة خاصة هى أن تحسين القدرة على الصمود يتطلب رفع القدرات الاقتصادية والإنتاجية والمؤسسية والاجتماعية، بالتوازى مع تقليل مصادر الانكشاف الخارجى.
وهذا مهم لأن الدراسة لا تنظر إلى الصمود باعتباره سياسة لمواجهة أزمة طارئة، وإنما باعتباره نتيجة تراكمية لطبيعة الاقتصاد ومؤسساته ومجتمعه.
لماذا الصناعة والتعقيد الاقتصادى مهمان إلى هذا الحد؟
تربط الدراسة بين الصمود والقدرة على إنتاج سلع وخدمات متنوعة وأكثر تعقيدًا. فالدولة التى تمتلك قاعدة صناعية متنوعة تستطيع عادة أن تعيد توجيه جزء من إنتاجها وأسواقها عندما يتعرض قطاع أو سوق معين لصدمة. أما الاقتصاد الذى يعتمد على عدد محدود من المنتجات أو القطاعات، فإن أى تغير كبير فى أسعارها أو الطلب عليها يمكن أن ينعكس على الإيرادات وفرص العمل والعملة الأجنبية والاستثمار والنمو.
من هنا يصبح التعقيد الاقتصادى أكثر من مجرد مؤشر للتجارة؛ فهو مؤشر على عمق المعرفة والقدرة الإنتاجية والابتكارية الكامنة وراء ما يستطيع الاقتصاد إنتاجه وتصديره.
ولهذا فإن تحسين الصمود العربى يمر، وفق منطق الدراسة، عبر إعادة بناء القدرة الإنتاجية والتنافسية، وليس فقط عبر زيادة الاحتياطيات أو جذب التمويل الخارجى.
ما العمل؟
قدمت الدراسة توصيات مكثفة لبناء صمود اقتصادى حقيقى، ولا تقترح الدراسة علاجًا واحدًا للهشاشة، وإنما تدعو إلى نهج مزدوج يقوم فى الوقت نفسه على تطوير القدرات وتقليل مصادر الهشاشة.
فالهدف هو بناء مؤسسات وقدرات اجتماعية واقتصادية تمكن الاقتصادات والأسر من التعافى بفاعلية، مع الحفاظ على مسار النمو والتنمية طويل الأجل، وفى الوقت نفسه تقليص الهشاشة البنيوية التى تزيد الأضرار الناتجة عن الأزمات وتفاقم آثارها على الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى ورفاه المواطنين.
أهم المقترحات هى:
1- معالجة الاختلالات البنيوية قبل وقوع الأزمة
وتحذر من أن الصمود سيظل محدودًا حتى فى الدول ذات الدخل المرتفع إذا لم تعالج القيود الهيكلية. وتحدد أربعة تحديات بنيوية رئيسية فى المنطقة العربية، وهى: الاعتماد المفرط على الواردات، والاعتماد على السياحة عالية التقلب، وانخفاض درجة التصنيع والتعقيد الاقتصادى، وضعف فعالية الحكومة ومحدودية كفاءة الأداء المؤسسى. وهذا يعنى أن بناء الصمود ليس عملية طوارئ تبدأ بعد وقوع الأزمة، وإنما عملية إصلاح اقتصادى طويلة المدى ودعم الدول الهشة والدول الخارجة من النزاعات.
تقترح الدراسة تطوير آليات تمويل إقليمية لإعادة الإعمار والتعافى فى الدول الهشة والدول الخارجة من النزاعات. ولا تقتصر الفكرة على إعادة بناء المنشآت، وإنما تشمل دعم النمو الشامل، وتوسيع فرص العمل، وتفعيل حركة العمالة وتبادل الموارد بين الأقاليم الفرعية.
2 ـ إعادة بناء التعاون الإقليمى
ترى الدراسة أن كثيرًا من المشكلات العربية لا يمكن حلها بصورة فعالة على مستوى كل دولة منفردة، ولذلك تدعو إلى إصلاح منظومة التعاون الإقليمى. ويقترح هذا التصور نموذجًا متجددًا للإقليمية التنموية يقوم على الاستثمار المشترك، والبنية التحتية المشتركة، وتبادل المعرفة والخبرات.
وبمعنى آخر، يمكن أن تتحول بعض عناصر الترابط العربى من مصدر للهشاشة إلى مصدر للصمود إذا جرى تنظيمها على أساس التعاون والاستثمار والتكامل الإنتاجى.
3 ـ الانتقال من الجدل حول حجم الدولة إلى إصلاح أدائها
تطرح الدراسة تحولًا مهمًا فى نقاش القطاع العام: بدل أن ينحصر السؤال فى «كم يبلغ حجم الدولة؟»، ينبغى أن يصبح السؤال: كيف تؤدى الدولة وظائفها؟ وتدعو إلى التركيز على الكفاءة وجودة الخدمات، وإدارة الأداء، والبيانات المفتوحة، وتصميم الخدمات حول احتياجات المواطن.
وتقترح كذلك رقمنة نظم المشتريات والرواتب والخدمات، بما يعزز الشفافية، ويحد من الفساد، ويقوى المساءلة المالية.
4 ـ إعادة بناء الثقة عبر الشمول والرقابة
ترى الدراسة أن بناء الصمود المؤسسى يحتاج إلى تمكين الرقابة المجتمعية وتعزيز دور مؤسسات الإشراف والمساءلة، وربط الأجور والترقيات فى القطاع العام بمؤشرات أداء قابلة للقياس. وبذلك ينبغى أن تتحول إصلاحات الحوكمة من التركيز على تقليص حجم المؤسسات إلى التركيز على رفع فاعليتها وكفاءتها.
ـ تمويل مستدام للإدماج الاقتصادى والاجتماعى
تدعو الدراسة إلى توسيع الحيز المالى من خلال إصلاح ضريبى تقدمى، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، والتعامل مع نظم الحماية الاجتماعية باعتبارها استثمارًا منتجًا فى الصمود، وليس مجرد تكلفة على الموازنة.
5 ـ الاستثمار فى رأس المال البشرى والحماية الاجتماعية
تشمل التوصيات توسيع برامج تطوير المهارات، وبرامج سوق العمل النشطة، والتأمين ضد البطالة، وربط التحويلات النقدية بالتدريب والعمل المنتج.
والفكرة هنا أن الحماية الاجتماعية لا ينبغى أن تكون مجرد آلية لتعويض الخسائر بعد وقوع الأزمة، وإنما وسيلة لرفع قدرة الأفراد على الانتقال إلى وظائف أفضل وأكثر إنتاجية.
6 ـ تعزيز المرونة الاقتصادية
تدعو الدراسة إلى سياسات تعالج ضعف انتقال ثمار النمو الوطنى إلى دخول الأسر، مع التركيز على التحول الهيكلى وتوسيع القطاعات التى تخلق فرص عمل لائقة ومستدامة. وهنا تعود القضية إلى جوهرها: ليس المهم فقط أن ينمو الناتج، وإنما كيف ينتقل النمو إلى الاقتصاد الحقيقى، وإلى الإنتاج، وإلى الوظائف، وإلى دخول الأسر.
فالصمود ليس مخزونًا من الأموال.. وإنما قدرة على الحركة.
تكشف الدراسة فى النهاية عن تحول مهم فى طريقة النظر إلى قوة الاقتصاد. فالصمود لا يعنى أن الدولة لديها احتياطيات مالية كبيرة فقط، ولا يعنى أن لديها ناتجًا محليًا مرتفعًا، ولا يعنى أنها تستطيع الحصول على تمويل خارجى عند الحاجة. هذه كلها عناصر قد تساعد، لكنها لا تكفى وحدها.
الصمود الحقيقى هو قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات والتعافى والتكيف؛ وهى قدرة تتشكل من قاعدة إنتاجية متنوعة، وتصنيع أكثر تنافسية وتعقيدًا، ومؤسسات أكثر كفاءة، ونظام مالى قابل للاستمرار، ومجتمع يتمتع بالصحة والتعليم والمهارات، وقدرة أقل على التعرض للصدمات الخارجية.
ومن هذه الزاوية تصبح المقارنة بين الدول العربية والعالم أكثر من مجرد سباق فى المؤشرات والترتيبات.
فالسؤال الحقيقى ليس: ما الدولة الأعلى دخلًا؟ ولا حتى: ما الدولة الأفضل ترتيبًا؟ وإنما: فى ظل نظام أصبح فى حالة عدم استقرار مستمرة وصدمات خارجية متشابكة، أى اقتصاد يستطيع أن يتلقى الصدمة دون أن يفقد قدرته على مواصلة الطريق؟
وهنا تكتسب نتائج الدراسة أهميتها بالنسبة للمنطقة العربية كلها: فالفجوة ليست فقط فجوة فى الدخل، وإنما فجوة فى القدرات؛ وقد يكون تضييق هذه الفجوة هو الطريق الأكثر استدامة للانتقال من اقتصاد يتلقى الأزمات إلى اقتصاد يستطيع امتصاصها والتكيف معها ومواصلة النمو رغمها.
وبهذا المعنى، فإن بناء الصمود الاقتصادى ليس سياسة مالية أو نقدية منفردة، ولا برنامجًا قصير الأجل، وإنما مشروع لإعادة بناء القدرة الإنتاجية والمؤسسية والاجتماعية للدولة.
- التنافسیة والصمود الاقتصادى
