حوار ... ريهام رفعت
في وقت تتغير فيه خريطة السينما المصرية، وتتصاعد الأسئلة حول من يملك الفرصة ومن يُدفع خارجها، يتحدث المخرج عمر عبد العزيز من موقع الشاهد والمشارك، مستندًا إلى تجربة طويلة جمعت بين الإخراج والعمل النقابي.
بدأت رحلته من معهد السينما، حيث تشكل وعيه المبكر بأن الفن ليس مجرد تنفيذ، بل رؤية تعيد تشكيل الواقع. ومنذ ذلك الحين، ظل يعتبر أن المخرج الحقيقي لا ينقل النص، بل يعيد صياغته بصريًا ليصنع دلالة جديدة تتجاوز المكتوب.
وبصفته رئيس الاتحاد العام للنقابات الفنية، يطرح عبد العزيز رؤية واضحة: لا يمكن فصل السينما عن بنيتها الصناعية، ولا يمكن التعامل مع المهرجانات باعتبارها مجرد فعاليات احتفالية. فهي، في نظره، جزء أصيل من منظومة الإنتاج والتأثير.
وعند الحديث عن مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي، يشير إلى تاريخه الممتد وعلاقته الشخصية به عبر سنوات طويلة، مؤكدًا أن ما يشهده حاليًا لا يعكس تراجعًا بقدر ما يعبر عن محاولة لإعادة تنظيم وهيكلة تواكب قيمته التاريخية.
في المقابل، يرى في مهرجان الإسكندرية للأفلام القصيرة نموذجًا مختلفًا، استطاع أن يخلق حالة من التفاعل الحقيقي، وأن يعيد الجمهور إلى قاعات العرض من خلال أفكار جديدة وصناع شباب.
وعن ملامح تكوينه الفني، يتوقف عند تأثير المدرسة الواقعية التي أسسها صلاح أبو سيف، إلى جانب تجارب هنري بركات ويوسف شاهين وحسن الإمام وفطين عبد الوهاب، وهي عناصر صنعت لديه مزيجًا خاصًا يجمع بين الواقعية والجرأة والكوميديا.
كما لعبت تجربته مع المخرج محمد عبد العزيز دورًا مهمًا في تعميق فهمه لآليات العمل داخل الصناعة، خاصة في ما يتعلق بإعادة تشكيل الصورة السينمائية.
وفي مجال السينما التسجيلية، يستحضر تجربته في تقديم فيلم عن الكابتن صالح سليم والنادي الأهلي، باعتبارها محاولة لتوثيق شخصية تحولت إلى جزء من الوجدان الجمعي.
ويؤكد أن اهتمامه يمتد أيضًا إلى القضايا الإنسانية، خاصة ما يتعلق بذوي الهمم، انطلاقًا من إيمانه بدور السينما في التعبير عن المجتمع لا الانفصال عنه.
أما الكوميديا، فيتعامل معها بوصفها فنًا معقدًا، لا يعتمد على الإفيهات أو التكرار، بل على بناء متكامل يقوم على خفة الدم والوعي. ويرى أن الممثل لا يُقدَّم بموهبته فقط، بل يُعاد تشكيله داخل العمل من خلال رؤية المخرج.
ويستشهد بفيلم "الشقة من حق الزوجة" مع محمود عبد العزيز، حيث تحولت قضية اجتماعية حساسة إلى عمل كوميدي ذكي، ساهم في إثارة نقاش مجتمعي امتد إلى ما هو أبعد من الشاشة.
كما يشير إلى أن تجارب عدد من النجوم مثل نور الشريف ومجدي المصري وصلاح السعدني تؤكد أن الرؤية الإخراجية قادرة على إعادة تقديم الممثل بشكل مختلف.
ويكشف عن تقديره الكبير لفنانين مثل محمود مرسي، الذي يرى أنه يمتلك طاقات كوميدية لم تُستغل بشكل كامل، إلى جانب إعجابه بمدرسة الأداء التي يمثلها أحمد راتب وعبد المنعم مدبولي وتوفيق الدقن.
في المقابل، ينتقد بعض أشكال الكوميديا الحديثة التي تعتمد على التكرار والاستسهال، مؤكدًا أن المشكلة ليست في الجمهور، بل في غياب الرؤية والتميز.
وعند التطرق إلى المنصات الرقمية مثل نتفليكس وشاهد، يوضح أنها لم تنجح في حل أزمة توزيع الفرص، حيث لا تزال هذه الفرص محصورة داخل نطاقات محددة، ما أدى إلى تهميش عدد من صناع السينما، خاصة من أصحاب الخبرة وخريجي المعاهد.
ويؤكد أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق بالإنتاج، بل بغياب العدالة في توزيع الفرص داخل الصناعة.
كما يرفض بشكل واضح أي محاولات لفرض قيود مسبقة على الإبداع، معتبرًا أن ما يُعرف بالإرهاب الفكري يمثل تهديدًا مباشرًا للفن، الذي لا يمكن أن ينمو في بيئة تقوم على الخوف.
وفي ما يتعلق بالمواقف الكبرى، يؤكد أن رفض التطبيع أو دعم أي محتوى يخدم الاحتلال ينبع من موقف إنساني وأخلاقي، قبل أن يكون موقفًا فنيًا.
في النهاية، يقدم هذا الحوار قراءة من الداخل لمشهد سينمائي معقد، تتقاطع فيه قضايا المهرجانات، وحرية الإبداع، وعدالة الفرص، في محاولة لفهم كيف تعيد السينما المصرية تعريف نفسها اليوم.
