تراجع مخاطر الديون وصعود الدولار يعيدان شهية الأجانب لأذون وسندات الخزانة
تصوير : آخرون
تراجع مخاطر الديون وصعود الدولار يعيدان شهية الأجانب لأذون وسندات الخزانة
فى تحول إيجابى يعكس استعادة الثقة فى خارطة التدفقات المالية، عادت أدوات الدين المصرية (سندات وأذون الخزانة) لتتصدر دائرة اهتمام المستثمرين الأجانب والمؤسسات المالية الباحثة عن عوائد مرتفعة فى الأسواق الناشئة الـCarry Trade.
جاء التوجه مدفوعاً بحزمة من العوامل المحفزة، أبرزها التحسن الملحوظ فى مؤشرات السوق وتراجع مخاطر الاستثمار، إلى جانب مرونة سعر الصرف الذى شهد تحركات صعودية للدولار ليتجاوز مستوى 51 جنيهاً خلال الأسبوع الماضى، ما عزز من جاذبية العائد الحقيقى ومكّن المستثمرين من تقييم فرص الدخول والتخارج بواقعية.
تعاملات الأسبوع الماضى أظهرت تسجيل المستثمرين الأجانب صافى شراء لأذون وسندات الخزانة المحلية من السوق الثانوية بقيمة تجاوزت 750 مليون دولار.
ولا يتوقف قرار العودة الأجنبية عند حدود العائد المرتفع بالعملة المحلية، بل يمتد ليشمل تقييم تكلفة التحوط وانخفاض المخاطر السيادية، وقد تجلى ذلك فى تحسن لافت لمؤشر مبادلة مخاطر الائتمان (CDS)، إذ تراجعت تكلفة التأمين ضد مخاطر عدم السداد إلى نحو 263.8 نقطة أساس مطلع الشهر الجارى بالمقارنة مع مستويات قياسية بلغت 1998.65 نقطة أساس فى مايو 2023، ما يعكس انخفاضاً يقارب 86.8٪ فى علاوة المخاطر، ويترجم ثقة متزايدة فى قدرة الاقتصاد المصرى على الوفاء بالتزاماته.
كما تستند معادلة جذب واستمرار تدفق الأموال الساخنة إلى مؤشرات اقتصادية قياسية دعمت توافر العملة الصعبة، شملت قفزة فى تحويلات المصريين بالخارج لتصل إلى 47.3 مليار دولار خلال العام المالى 2025/2026، وارتفاع صافى الأصول الأجنبية للقطاع المصرفى إلى ما يزيد على 28.4 مليار دولار، فضلاً عن بلوغ الاحتياطى النقدى 56.3 مليار بنهاية يوليو 2026.
وفى ضوء هذه المعطيات الإيجابية، يُجمع الخبراء على أن استدامة تدفقات هذه الأموال ترتبط بشكل وثيق بالحفاظ على مرونة سوق الصرف وتوافر السيولة الدولارية، مع بقاء العوائد الحقيقية تنافسية، محذرين فى الوقت نفسه من الطبيعة الحساسة لهذه الاستثمارات تجاه أى تغيرات طارئة قد تدفع أصحابها لإعادة تقييم قراراتهم.
من جانبه، قال الدكتور عز الدين حسنين، الخبير المصرفى، إن تراجع مؤشر مبادلات مخاطر الائتمان السيادى (CDS) لمصر إلى نحو 263.8 نقطة أساس يعكس انخفاضًا ملحوظًا فى مستوى المخاطر المرتبطة بالاستثمار فى أدوات الدين المصرية، وهو ما يمثل أحد العوامل الداعمة لعودة تدفقات الأموال الساخنة إلى السوق المحلية.
وأوضح أن الـCDS يعكس تكلفة التأمين ضد مخاطر عدم السداد، وبالتالى فإن تراجعه يعنى أن المستثمر أصبح يرى مخاطر أقل مرتبطة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، لافتًا إلى أن انخفاضه من المستويات المرتفعة التى سجلها خلال السنوات الماضية يعكس تحسنًا فى نظرة المستثمرين إلى قدرة مصر على تدبير احتياجاتها من النقد الأجنبى والوفاء بالتزاماتها الخارجية.
وأضاف حسنين أن تحسن الاحتياطى الأجنبى، وزيادة تحويلات المصريين بالخارج، ونمو صافى الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفى، إلى جانب تحسن تدفقات النقد الأجنبى، جميعها مؤشرات تدعم تراجع المخاطر السيادية وتعزز ثقة المستثمر الأجنبى فى السوق المصرية، رغم استمرار التوترات الجيوسياسية فى المنطقة.
وأشار إلى أن انخفاض الـCDS يرفع جاذبية أدوات الدين المصرية أمام المستثمرين الأجانب، لأن المستثمر ينظر إلى مزيج من العائد والمخاطر عند اتخاذ قراره؛ فكلما انخفضت تكلفة التأمين على الاستثمار، مع استمرار ارتفاع أسعار الفائدة المحلية مقارنة بالأسواق المتقدمة، أصبحت السوق المصرية أكثر جاذبية لتدفقات المحافظ المالية.
وأكد أن فارق أسعار الفائدة بين مصر والأسواق المتقدمة لا يزال أحد أهم العوامل التى تدعم تدفقات الأموال الساخنة، خاصة مع استمرار ارتفاع العائد الحقيقى فى مصر مقارنة بالأسواق الكبرى.
وأوضح أن تثبيت مجلس الاحتياطى الفيدرالى الأمريكى أسعار الفائدة سيكون عاملًا داعمًا لاستمرار جاذبية أدوات الدين المصرية، فى حين أن أى اتجاه لرفع الفائدة الأمريكية قد يدفع جزءًا من هذه التدفقات إلى العودة للأسواق الأمريكية بحثًا عن عائد أعلى ومخاطر أقل.
وأضاف أن خفض الفائدة الأمريكية، حال حدوثه، سيكون أكثر إيجابية للأسواق الناشئة ومنها مصر، إلا أنه يرى أن هذا السيناريو مستبعد فى الوقت الحالى فى ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار النفط وتأثير التوترات الجيوسياسية على الأسعار عالميًا.
وأشار حسنين إلى أن تحركات سعر الصرف تمثل عاملًا آخر فى قرارات المستثمرين الأجانب، موضحًا أن انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار قد يزيد من جاذبية الاستثمار فى أدوات الدين المصرية بالنسبة للمستثمر الأجنبى.
ولفت إلى أن أكبر اختبار لاستمرار تدفقات الأموال الساخنة يتمثل فى تطورات الأوضاع الجيوسياسية وأسعار النفط ومؤشر الدولار عالميًا، إلى جانب قدرة الاقتصاد المصرى على الحفاظ على موارده الدولارية والاحتياطى الأجنبى.
وأكد أن المستثمرين والصناديق الأجنبية يراقبون بصورة مستمرة مؤشرات الاحتياطى الأجنبى، وتحويلات المصريين بالخارج، وإيرادات قناة السويس، والسياحة، والالتزامات الخارجية، إلى جانب تحركات سعر الصرف والـCDS، باعتبارها مؤشرات رئيسية لتقييم استدامة تدفقات الأموال الساخنة إلى السوق المصرية.
من جانبه قال الدكتور محمد أنيس، الخبير الاقتصادى، إن تحسن مؤشرات الاقتصاد المصرى خلال الفترة الأخيرة عزز من جاذبية السوق أمام الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، مشيرًا إلى أن التراجع فى مؤشر مخاطر الائتمان السيادى (CDS) يعكس تحسنًا ملحوظًا فى المؤشرات الكلية والمالية للدولة وأوضاع سوق الصرف، مقارنة بما كانت عليه سابقاً.
وأوضح أن المستثمر الأجنبى فى أدوات الدين لا ينظر فقط إلى مستوى العائد، وإنما يهتم بصورة أساسية بمدى استقرار المؤشرات المالية للدولة، ومرونة سوق الصرف، وتوافر السيولة الدولارية، باعتبارها عوامل رئيسية فى قرار الدخول إلى السوق أو الاستمرار بها.
وأضاف أن شهية المستثمرين الأجانب تجاه أدوات الدين المصرية ما زالت قائمة، مدعومة باستمرار جاذبية أسعار الفائدة المحلية، خاصة مع بقاء معدل الفائدة الحقيقى فى مستويات إيجابية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الفائدة فى مصر مقارنة بالعديد من الأسواق المتقدمة، وهو ما يدعم استمرار جاذبية أدوات الدين المصرية أمام المستثمرين الأجانب.
وأكد أن ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه لا يمثل فى حد ذاته عامل الجذب الرئيسى للأموال الساخنة، موضحًا أن المستثمر الأجنبى يهتم أكثر بأن يكون سعر الصرف عادلًا ومرنًا، مع توافر السيولة الدولارية التى تضمن له القدرة على الدخول والخروج من السوق فى أى وقت.
وأشار أنيس إلى أن مرونة سوق الصرف وتوافر السيولة الدولارية يمثلان عنصرين أساسيين بالنسبة للمستثمر غير المباشر، إذ يحتاج المستثمر إلى الاطمئنان إلى إمكانية تحويل استثماراته وعوائدها إلى الدولار والخروج بها من السوق دون قيود أو مخاطر ناتجة عن تحركات غير منضبطة فى سعر الصرف.
وأكد أن حجم الاستثمارات الأجنبية فى أدوات الدين الحكومية المصرية وصل إلى مستويات مرتفعة، معتبرًا أن التدفقات الحالية كافية فى المرحلة الراهنة، ولا يرى ضرورة لاستهداف زيادات جديدة فى الأموال الساخنة، خاصة أن الأولوية فى الوقت الحالى يجب أن تكون للحفاظ على استقرار التدفقات القائمة، وليس تعظيم حجمها.
وأكد أن استمرار الأموال الساخنة فى السوق المصرية خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على الحفاظ على استقرار سوق الصرف، وتوافر السيولة الدولارية، وانضباط مؤشرات المالية العامة، إلى جانب استمرار جاذبية العائد الحقيقى على أدوات الدين.
وحذر أنيس من أن أى اضطرابات إقليمية كبيرة تنعكس سلبًا على هذه المؤشرات، أو أى مخاوف بشأن توافر السيولة الدولارية، قد تدفع المستثمرين الأجانب إلى التخارج سريعًا، خشية صعوبة تحويل أموالهم إلى الخارج، وهو ما قد يسبب فى المقابل ضغوطًا إضافية على سوق الصرف والسيولة الدولارية.
من جانبه قال أحمد أبو الخير، الخبير المصرفى إن تسجيل المستثمرين الأجانب صافى مشتريات قوية فى أدوات الدين بالتزامن مع تراجع تكلفة التأمين على الديون السيادية المصرية، يعكس تحسنًا ملحوظًا فى نظرة الأسواق إلى مستوى المخاطر المرتبطة بالاقتصاد والديون المصرية مقارنة بالفترات السابقة التى شهدت ضغوطًا أكبر.
وأوضح أبو الخير أن تراجع مؤشر الـCDS إلى هذه المستويات لا يرتبط فقط بتحسن العوامل المحلية، وإنما يأتى أيضًا فى ضوء تغير نظرة المستثمرين إلى المخاطر فى الأسواق العالمية، مشيرًا إلى أن انخفاض تكلفة التأمين على الديون يعكس تراجع تقييم الأسواق لمخاطر الائتمان السيادى، مدعومًا بتحسن مستويات السيولة الأجنبية مقارنة بالمراحل السابقة، وتبنى سياسة أكثر مرونة لسعر الصرف، إلى جانب تحسن بعض المؤشرات المرتبطة بالاستقرار الخارجى.
وأضاف أن النظرة الأكثر إيجابية هى توافر السيولة بالعملة الأجنبية، إلى جانب تراجع معدلات التضخم مقارنة بمستوياتها المرتفعة سابقًا، ساهمت فى دعم ثقة المستثمرين، لافتًا إلى أن مرونة سعر الصرف تمثل أحد العناصر الرئيسية فى تقييم الأسواق للمخاطر، باعتبارها عاملًا مهمًا فى تعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات والحد من احتمالات تراكم الاختلالات فى سوق النقد الأجنبى.
وأشار أبو الخير إلى أن ارتفاع الدولار أمام الجنيه قد يدفع بعض المستثمرين الأجانب إلى إعادة تقييم توقيت الدخول إلى السوق المصرية، لا سيما إذا رأوا أن مستويات سعر الصرف الحالية أصبحت أقرب إلى التوازن بين العرض والطلب، بما يقلل من مخاطر حدوث تحركات حادة فى العملة خلال الفترة المقبلة.
وأكد أن المستثمر الأجنبى لا ينظر إلى سعر الفائدة الاسمى فقط، وإنما يحسب فى النهاية العائد الذى يمكن تحقيقه بعد تحويل استثماره وعوائده إلى الدولار.
ولفت إلى أن ارتفاع العائد على أدوات الدين المصرية يصبح أكثر جاذبية عندما يرى المستثمر أن سعر الصرف يتمتع بدرجة معقولة من الاستقرار، وأن احتمالات حدوث انخفاضات حادة ومفاجئة أصبحت محدودة، موضحًا أن مرونة سعر الصرف من أكثر العوامل المهمة فى عودة اهتمام المستثمرين الأجانب بأدوات الدين المحلية.
وفى المقابل، شدد أبوالخير على ضرورة التمييز بين ارتفاع الدولار أمام الجنيه وقوة العملة الأمريكية عالميًا، موضحًا أن ارتفاع الدولار محليًا يدخل ضمن حسابات المستثمر لتحديد توقيت الدخول، خاصة مع تأثير سعر الصرف على العائد النهائى عند تحويل استثماراته وأرباحه إلى الدولار.
فى المقابل، فإن استمرار قوة الدولار عالميًا وارتفاع عوائد السندات الأمريكية قد يضغطان على تدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة، مع زيادة جاذبية الأصول الأمريكية، ما يجعل استمرار تدفقات الأموال الساخنة إلى مصر مرتبطًا بقدرة العائد المحلى على تعويض مخاطر العملة والمخاطر الأخرى.
وأشار إلى أن فارق أسعار الفائدة بين مصر والأسواق المتقدمة يظل أحد أهم عناصر الجاذبية للمستثمر الأجنبى، إذ تمنح أسعار العائد المرتفعة على أدوات الدين المحلية فرصة لتحقيق عائد أعلى مقارنة بالعديد من البدائل فى الاقتصادات المتقدمة.
وأضاف أن أى تغير فى توقعات أسعار الفائدة وعوائد السندات الأمريكية يمكن أن ينعكس مباشرة على تدفقات رؤوس الأموال، موضحًا أنه كلما اتجهت العوائد الأمريكية إلى الانخفاض، ستتحسن نسبياً جاذبية الأصول ذات العائد المرتفع فى الأسواق الناشئة، بينما يحدث العكس فى حال ارتفاع العوائد الأمريكية واستمرار قوة الدولار.
وأكد أبوالخير أن استمرار جاذبية أدوات الدين المصرية سيظل مرتبطًا بقدرة العائد المحلى على توفير هامش مناسب يعوض المستثمر عن المخاطر المرتبطة بالاقتصاد وسعر الصرف، بالتوازى مع الحفاظ على درجة مقبولة من الاستقرار النقدى والمالى، واستمرار توافر العملة الأجنبية ومرونة سوق الصرف بما يضمن للمستثمر القدرة على الدخول والخروج وتحويل أمواله.
وأوضح أن استمرار المستثمر الأجنبى فى السوق المصرية سيتوقف كذلك على مسار المخاطر السيادية والتطورات الاقتصادية المحلية، إلى جانب البيئة العالمية، إذ قد يؤدى ارتفاع عوائد السندات الأمريكية، أو استمرار قوة الدولار، أو تصاعد التوترات الجيوسياسية إلى دفع المستثمرين نحو تقليص انكشافهم على الأسواق الناشئة، حتى مع استمرارتحسن بعض المؤشرات المحلية.
- الديون
