أجرت الحوار .... ريهام رفعت
في المسارات النادرة داخل الفن، لا يحدث التحول باعتباره انتقالًا بسيطًا بين مهنتين، بل كأنه انقلاب هادئ في طريقة رؤية العالم نفسه، وإعادة تشكيل البوصلة الداخلية للإنسان.
كريم العمري واحد من تلك الحالات التي لا تُمسك بسهولة، ليس لأنه يختبئ خلف الغموض، بل لأن حضوره نفسه يمارس نوعًا من الصمت الواعي؛ صمت لا يشرح التجربة بل يتركها تتحرك وحدها، كأنها تتقدم دون إعلان مسبق أو رغبة في التبرير.
من خلفية تقوم على الانضباط الصارم، وتفاصيل تُدار بعقلية دقيقة لا تعرف الفوضى، تشكّل وعي مختلف يرى أن كل حركة في الحياة لها نظامها الخاص. لكنه حين دخل إلى التمثيل، لم يدخل بوصفه قطيعة مع هذا النظام، بل بوصفه محاولة لإعادة استخدامه داخل مساحة لا تعترف أصلًا بمفهوم النظام كما نعرفه.
يقول إن البداية لم تكن اندفاعًا عاطفيًا، بل كانت بحثًا ممتدًا عن شكل آخر للفهم. دراسة، تدريب، احتكاك مباشر مع متخصصين، ومحاولات متكررة لإعادة تشكيل الذات كممثل لا يراهن على الشكل أو الانطباع الأول، بل على القدرة القاسية على الاختفاء داخل الشخصية حتى تذوب ملامحه الشخصية تمامًا.
ومع مرور الوقت، لم يعد الانضباط نقيضًا للفن، بل تحول إلى طريق آخر أكثر تعقيدًا للوصول إليه.
الانضباط حين يتحول إلى وعي داخلي
في التجربة الأولى، كان الانضباط هو اللغة الوحيدة تقريبًا كل شيء محسوب، كل تفصيلة في مكانها، وكل حركة تخضع لمنطق واضح. لكن مع الانتقال إلى التمثيل، لم يختف هذا البناء الداخلي، بل تغيّر اتجاه استخدامه بالكامل.
لم يعد الهدف السيطرة، بل الفهم العميق. لم يعد الانضباط إطارًا جامدًا، بل أصبح عدسة تُستخدم لرؤية ما لا يُقال أصلًا.
في الأداء، لم يعد يبحث عن الظاهر فقط، بل عن تلك الطبقات الخفية لحظة الصمت التي تسبق الجملة، التردد غير المُعلن في النظرة، الإيقاع الداخلي الذي يسبق الفعل قبل أن يتحول إلى حركة مرئية.
هنا تحديدًا، بدأ التمثيل يخرج من كونه ممارسة تقنية، ليصبح عملية تفكيك دقيقة للإنسان من الداخل، كأنه تشريح صامت للنية قبل الفعل.
الشخصيات ليست أحكامًا بل احتمالات
في رؤيته، الشخصيات لا يمكن حبسها داخل تصنيفات أخلاقية جاهزة.
لا توجد شخصية طيبة بالكامل، ولا أخرى شريرة بشكل مطلق. ما يوجد فقط هو دوافع تتحرك داخل ظروف مختلفة، فتنتج سلوكًا يبدو متناقضًا من الخارج، لكنه داخل سياقه يحمل منطقًا يمكن فهمه إذا تم الاقتراب منه بما يكفي.
خالد في لينك، وماهر في روج أسود، ومصطفى أبو الخير في قسمة العدل، ليست كيانات منفصلة بقدر ما هي احتمالات متعددة لبنية إنسانية واحدة تُختبر في سياقات مختلفة فتنتج نسخًا مختلفة من رد الفعل.
كل شخصية تحمل منطقها الخاص، حتى حين يبدو هذا المنطق صادمًا أو غير مريح للعين الخارجية.
الممثل هنا لا يصدر حكمًا أخلاقيًا، بل يقف في المنطقة الرمادية، يحاول فقط أن يفهم كيف تعمل هذه الطبقة الإنسانية التي لا تظهر على السطح بسهولة، لكنها تحكم كل شيء في العمق.
الاقتراب من الواقع حين يصبح المكان جزءًا من الأداء
في مرحلة التحضير لبعض الشخصيات، لم يكن الورق كافيًا، ولا القراءة وحدها قادرة على إنتاج الإحساس المطلوب.
كان هناك احتياج مختلف الاقتراب من الواقع نفسه، ليس بوصفه مشهدًا عامًا، بل بوصفه تجربة معيشة كاملة.
في أماكن مثل الأزهر، لم تكن الملاحظة تتعلق بكلمات مختلفة أو مفردات خاصة، بل بطريقة مختلفة تمامًا في ترتيب الكلام، وفي الإيقاع الذي تُبنى به الجملة، وفي المسافة الدقيقة بين القول والصمت.
لم يكن الأمر لغة خاصة بقدر ما كان طبقة اجتماعية كاملة تعيد تشكيل معنى التعبير من جذوره الأولى، كأن اللغة نفسها تُعاد كتابتها داخل الفضاء الاجتماعي.
وهذا النوع من الفهم لا يأتي من النظر من الخارج، بل من التواجد داخل اللحظة حتى تصبح مألوفة لدرجة أنها تفقد غرابتها وتكشف منطقها الداخلي.
السينما ذاكرة تتجاوز الزمن
حين يتحدث عن السينما، لا يتعامل معها كخط زمني مستقيم يتقدم للأمام، بل كمساحة تتغير طبيعتها باستمرار مع كل مرحلة، وتعيد تعريف نفسها كل مرة.
هناك انجذاب واضح إلى لحظات التكوين الأولى، حين كانت السينما لا تزال تبحث عن لغتها الخاصة، في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات، حيث كانت الصورة أقرب إلى التجربة الخام منها إلى الصناعة المكتملة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل التحولات اللاحقة التي أعادت تشكيل الأداء، ورفعت مستوى التعقيد، ودفعته إلى مساحات أكثر كثافة وتركيبًا.
لكن ما يظل ثابتًا في رؤيته ليس الزمن نفسه، بل طبيعة العلاقة بين الممثل والكاميرا في كل مرحلة، وكيف يتغير معنى الحضور أمام العدسة مع تغيّر الزمن والصناعة.
الكاميرا ليست مساحة صراع
في الأعمال الجماعية، لا يبدو الانشغال قائمًا على فكرة السيطرة على المشهد أو فرض حضور على حساب الآخرين.
لأن الكاميرا كما يراها ليست ساحة تنافس، بل جهازًا يلتقط الحقيقة حين تكون جاهزة للظهور، دون الحاجة إلى ادعاء أو مبالغة.
وحين يتحقق هذا النوع من الصدق، تتلاشى الفوارق بين دور صغير ودور كبير، وتبقى فقط المسافة بين حضور حقيقي وآخر عابر لا يترك أثرًا.
الإعادة لحظة البحث عن طبقة غائبة
الإعادة ليست تصحيحًا تقنيًا، بل محاولة متكررة للقبض على شيء لم يظهر بعد بشكل كامل.
في كل مرة يُعاد فيها المشهد، لا يتغير الفعل وحده، بل تتغير العلاقة الداخلية مع الشخصية، وكأن هناك طبقة جديدة تنكشف في كل محاولة.
ومع الوقت، تصبح الإعادة جزءًا من بناء الحالة النفسية، لا وسيلة لإصلاحها، بل أداة لتوليد عمق إضافي لم يكن موجودًا في البداية.
المسرح والسينما مساحتان للحضور المختلف
السينما اليوم تمثل المسار الأكثر حضورًا داخل التجربة، باعتبارها مساحة تسمح ببناء الشخصية عبر طبقات متعددة من الزمن والانفعال، وبإمكانية إعادة تشكيل الإحساس في أكثر من اتجاه.
لكن المسرح يظل حاضرًا كاختبار مختلف جذريًا، لأنه لا يمنح فرصة ثانية، ولا يسمح بإعادة التجربة تحت أي ظرف.
هناك، كل شيء يحدث مرة واحدة فقط، ويُحسم في اللحظة نفسها، بلا استرجاع ولا تعديل.
ولهذا يظل المسرح مساحة مختلفة في الوعي، لا مجرد خيار مهني، بل تجربة مواجهة مباشرة مع اللحظة.
في النهاية سؤال لا يُغلق
لا يبدو كريم العمري منشغلًا بفكرة الوصول النهائي، بقدر ما يبدو منشغلًا بفكرة استمرار الفهم، وكأن المسار كله قائم على إعادة فتح الأسئلة بدل إغلاقها.
كل دور جديد لا يُعامل كخطوة إضافية في طريق مستقيم، بل كإعادة فتح للسؤال من زاوية جديدة، أكثر تعقيدًا مما سبق.
وفي هذا المعنى، لا يعود التمثيل مهنة تُمارس، بل يتحول إلى طريقة مستمرة لإعادة اكتشاف الإنسان داخل الإنسان، دون ادعاء اكتمال أو وصول نهائي.
@225442866929880
