كتبت .. ريهام رفعت
تعد الدكتورة منى الصبان واحدة من أبرز النماذج النسائية في المجال السينمائي والثقافي، حيث لم تكن رحلتها مجرد مسار مهني تقليدي، بل قصة ممتدة من الشغف والتحدي والإصرار على صناعة أثر حقيقي في عالم الصورة والفن
جاءت نقطة التحول الأبرز مع نجاح النسخة الأولى من مهرجان البريكس لأفلام طلبة معاهد السينما، وهو المشروع الذي حمل بصمتها الفكرية والتنظيمية منذ لحظاته الأولى، حيث واجهت تحدي بناء تجربة غير مسبوقة تجمع طلاب السينما من دول متعددة ليقدموا أعمالهم ضمن منصة واحدة تعبر عن تنوعهم الثقافي والإبداعي
شارك في المهرجان عدد كبير من الأفلام من روسيا والبرازيل والهند ودول أخرى في تجربة عكست ثراء المشهد السينمائي العالمي، لكن التحدي الحقيقي كان في التفاصيل الدقيقة للتنفيذ، وعلى رأسها ترجمة ما يقرب من سبعين فيلما بشكل احترافي داخل الصورة وليس بشكل منفصل، بما يضمن تجربة مشاهدة متكاملة للجمهور العربي ويعكس احترام العمل الفني الأصلي
هذا النجاح لم يكن وليد اللحظة، بل جاء بعد تجارب ومحاولات سابقة لم تكتمل كما كانت تتمنى، لكنها تعاملت معها كخبرات أعادت تشكيل رؤيتها ورسخت لديها الإصرار على أن كل فكرة يمكن أن تتحول إلى نجاح إذا تم تطويرها بالشكل الصحيح
بدأت رحلة منى الصبان من شغف مبكر بالسينما تأثرا بوالدتها وحبها للسينما، ورغم حصولها على مجموع مرتفع في الثانوية العامة كان يؤهلها لدراسة التجارة الخارجية، اختارت طريقها الحقيقي بالالتحاق بـ المعهد العالي للسينما، في وقت كان حضور الفتيات في هذا المجال محدودا مقارنة بالرجال، لتبدأ رحلة مختلفة عنوانها الجرأة والاختيار الواعي
تخصصت في المونتاج وبدأت رحلتها مع الصورة من الداخل، ثم امتدت تجربتها المهنية إلى محطات دولية مهمة، من بينها عملها في لبنان حيث خاضت تجربة ثرية في بيئة ثقافية وإعلامية معقدة، وتعرضت خلال هذه الفترة لظروف صعبة وتحديات كبيرة وصلت إلى فترات الحرب، لكنها استمرت في العمل دون توقف، محافظة على شغفها وقدرتها على الإنتاج رغم المخاطر
كما تعاونت خلال مسيرتها مع أسماء فنية بارزة مثل زياد الرحباني، وهو ما أضاف بعدا إبداعيا خاصا لتجربتها، ورسخ حضورها داخل مشهد فني عربي متنوع
امتدت رحلتها أيضا إلى فرنسا حيث عايشت تطور الصناعة السينمائية عن قرب، وشاهدت الفجوة بين الإمكانيات التقليدية والتقنيات الحديثة، وهو ما جعلها أكثر إصرارا على تطوير أدواتها ومواكبة التحولات الكبرى في صناعة السينما
عاصرت دكتور منى الصبان التحول الكبير من عصر الأبيض والأسود إلى العصر الرقمي، ودخول الإنترنت والميديا الحديثة، ولم تتعامل مع هذا التحول كعائق بل كفرصة للتطور، حتى وإن كان التعلم في مراحل عمرية متقدمة، لتثبت أن الإبداع لا يرتبط بسن بل بالإرادة
وكان لابنها دور محوري في هذه المرحلة، حيث دعمها تقنيا وساعدها في تعلم استخدام الكمبيوتر من الأساس حتى الاحتراف، في علاقة تبادلية قائمة على الدعم والفخر، جعلتها أكثر قدرة على دمج خبرتها السينمائية مع أدوات التكنولوجيا الحديثة
ومن هنا جاءت فكرة مدرسة السينما عن بعد، التي قدمت من خلالها رؤية تعليمية جديدة ومختلفه تتيح للطلاب والمهتمين تعلم السينما والفنون من أي مكان وفي أي وقت، باستخدام أدوات رقمية مثل العروض التقديمية والجرافيك والإنترنت، لتكسر فكرة أن التجربة الفنية حكر على فئة أو مكان أو عمر معين
كما عُرفت بدعمها المستمر للطلاب وحرصها على نقل خبرتها للأجيال الجديدة، معتبرة أن دور الأكاديمي لا يقتصر على التدريس فقط، بل يمتد إلى صناعة وعي حقيقي لدى الشباب ومساعدتهم على دخول المجال بثقة
ورغم التقدم في العمر، لم تتوقف رحلتها، بل واصلت العطاء بنفس الشغف، مؤكدة أن الفن الحقيقي لا يتقاعد، وأن الإبداع كلما نضج زادت قدرته على التأثير
تجربة منى الصبان اليوم تمثل نموذجًا متكاملاً للمرأة المصرية والعربية التي استطاعت أن تجمع بين العمل الأكاديمي والنجاح الدولي والدور الإنساني، وأن تحول التحديات إلى فرص، والصعوبات إلى نقاط انطلاق جديدة
وفي النهاية، تبقى رحلتها شهادة حية على أن النجاح لا يُمنح بل يُصنع، وأن الشغف الحقيقي قادر على كسر كل الحواجز، وأن التاريخ لا يكتب فقط بالأحداث بل بالأثر الذي يتركه الإنسان في من حوله .