2026/10/18
الرئيسية / مقالات الرأي / في ذكرى النصر.. كيف نكمل النصر
مقال رأي

في ذكرى النصر.. كيف نكمل النصر

بقلم: المدير 2026/10/06 118 مشاهدة
في ذكرى النصر.. كيف نكمل النصر
بقلم... ريهام رفعت لا أعرف متى بدأت أحب مصر. ربما بدأت الحكاية من أغنية وطنية كنت أرددها وأنا طفلة، دون أن أفهم كل كلماتها، أو من فيلم جعلني أتعاطف مع جندي لا أعرف اسمه، أو من درس قراءة في كتاب المدرسة يحكي لنا عن العبور، أو من موضوع تعبير كنا نكتبه عن نصر أكتوبر ونحن لم نعرف من الحرب إلا أنها كانت يومًا انتصرت فيه مصر. كبرنا على هذه الحكايات. على الأغاني الوطنية، والأفلام التي كانت تجعلنا نحب الأرض أكثر ونشعر بالفخر بجيشنا، وعلى شاشات التلفزيون التي كنا ننتظر أمامها احتفالات أكتوبر والعروض العسكرية ومشاهد النصر التي تتكرر كل عام. كان السادس من أكتوبر بالنسبة لنا أكثر من تاريخ في كتاب؛ كان ذكرى نعيشها ونشعر أنها تخصنا، رغم أننا لم نشهدها. لم نرَ الجنود وهم يعبرون قناة السويس، لكن صورهم سكنت خيالنا. لم نسمع أصوات الطائرات في يوم العبور، لكن الأغاني والأفلام والحكايات جعلتنا نسمع صداها في وجداننا. وهكذا، دون أن ندري، بدأ يتشكل داخلنا معنى الانتماء. وأذكر أن رحيل الرئيس الراحل محمد أنور السادات كان من اللحظات التي اختلط فيها عندي معنى النصر بوجع الفقد. كنت طفلة، لكنني كنت أرى في عيون أسرتي احترامًا وحزنًا على رجل ارتبط اسمه في ذاكرتي بانتصار أكتوبر. ثم جاء زمن الرئيس الراحل حسني مبارك، الذي كنا نحن الأطفال نعرفه بطريقة مختلفة تمامًا عن نظرة الكبار. كنا نسمع في المدرسة تعبير «بابا حسني»، ولم نكن وقتها ندرك المسافة بين رئيس الجمهورية وبين حياتنا اليومية. كنت أتعامل مع الأمر ببراءة شديدة، وأشعر أن لي أبًا آخر هو «بابا حسني» رئيس الجمهورية. وأذكر حتى أن إحدى البنات في المدرسة كانت تعيش الفكرة فعلًا، وكلما اختلفنا على شيء قالت بمنتهى الثقة: «أنا بنت رئيس الجمهورية»! كنا أطفالًا سذج، نصدق العالم كما يصل إلينا، ونراه ببساطة شديدة. كان الرئيس بالنسبة لنا شخصية نراها في البيت والمدرسة والتلفزيون، لا شخصية سياسية نحللها ونختلف حولها. كبرنا بعد ذلك، وتغيرت رؤيتنا للأشخاص والأحداث. وعرفت أن احترام الإنسان لا يعني الاتفاق معه، وأن الاختلاف لا يلغي حق كل إنسان في أن يحتفظ بذكرياته ومشاعره. ولهذا، قد أتفق أو أختلف مع أي رئيس، لكن أكتوبر بالنسبة لي يظل أكبر من الأشخاص والأسماء؛ لأنه حكاية مصر. حكاية الجندي الذي عبر، والشهيد الذي لم يعد، والأم التي انتظرت، والأسرة التي عاشت لحظة الفخر، والطفل الذي حفظ الأغنية، والمعلم الذي حكى عن النصر، وكل مصري ورث هذه الذكرى حتى لو لم يكن قد وُلد وقتها. نحن جيل لم يشهد الحرب، لكنه يحمل مسؤولية أن يوثقها للأجيال القادمة، لا باعتبارها حكاية قديمة نكررها كل عام، وإنما باعتبارها درسًا في قدرة المصري حين يؤمن بقضيته ويعمل من أجلها. ومن هنا يأتي السؤال الأهم:كيف نكمل النصر؟ إذا كان جيل أكتوبر قد عبر قناة السويس، فعلينا نحن أن نعبر قنوات أخرى؛ نعبر الجهل بالعلم، والفقر بالعمل والإنتاج، والفساد بالضمير والقانون، واليأس بالأمل، واللامبالاة بالمسؤولية. فالنصر الذي ورثناه لا ينبغي أن يتحول إلى ذكرى نحتفل بها ثم نعود إلى حياتنا كما كانت. أجمل وفاء لمن صنعوا أكتوبر أن نكمل ما بدأوه، كلٌ في موقعه، وكلٌ بما يستطيع. والحب الحقيقي لمصر لا يعني أن نصفق لها طوال الوقت، كما أن نقد ما يؤلمها لا يعني أننا أعداء لها. ليس كل معارض خائنًا، وليس كل مؤيد مخلصًا. أحيانًا يكون النقد الصادق شكلًا من أشكال الحب، حين يكون هدفه الإصلاح والبناء، لا الهدم والتشفي. فالوطنية ليست انتماءً إلى شخص أو جماعة أو تيار؛ الوطنية أن تريد لمصر أن تكون أقوى، وأكثر عدلًا، وأكثر قدرة على حماية أبنائها وصناعة مستقبلهم. وأنا لا أنتمي إلا إلى مصر . أنا مصرية الهوية، بنت الأرض أرض طيبه ، وأرى أن حب الوطن أوسع من أي تصنيف وأبقى من أي خلاف. ولهذا أحب أكتوبر. أحب فيه فرحة النصر، ودموع الفقد، وصوت الأغاني، وصور الجنود، وذاكرة الطفولة. وأحبه لأنه يذكرني بأن المستحيل ليس قدرًا، وأن مصر التي استطاعت أن تعبر في لحظة فارقة من تاريخها، قادرة على أن تعبر اليوم أيضًا، إذا امتلك أبناؤها الإرادة والعمل والوعي. فأجمل احتفال بالنصر ليس أن نقول فقط: تحيا مصر. أجمل احتفال أن نفعل شيئًا يجعل مصر تحيا أقوى. مصر التي أحببتها طفلة من أغنية وفيلم وكتاب وموضوع تعبير نتفنن فيه بكتابة مانشعر به . مصر التي كبرت وأنا أكتشف أن حبها مسؤولية.. مصر التي انتصرت بالأمس، وتستطيع أن تنتصر غدًا ودائما إذا عرف أبناؤها كيف يكملون النصر. فالنصر لا ينتهي حين تنتهي المعركة… النصر الحقيقي أن نعرف كيف نحميه ونصنع بعده انتصارات جديدة.
مشاركة: